دبي: عصام الشيخ
يفاقم تراجع اسعار النفط من قلق الحكومات الخليجية من انعكاسات سلبية لذلك على خططها التنموية حتى نهاية العقد الحالي، ويرافق ذلك استمرار تراجع اسعار صرف الدولار الاميركي امام العملات الرئيسية ما يؤدي الى ارتفاع معدلات التضخم وتآكل عائداتها الفعلية من الصادرات النفطية. وانخفض سعر سلة اوبك في الاسواق العالمية امس الى 48.6 دولار للبرميل فيما استقر سعر الخام عند 50 دولارا للبرميل مع تصاعد التكهنات بنزوله عن حاجز 50 دولارا الذي يعتبر حاجزا نفسيا مهما للاسواق. وفي الوقت الذي تستبعد فيه بعض دول المنطقة فك ارتباط عملاتها الوطنية بالدولار الاميركي، تتعالى فيه من جهة أخرى دعوات لاستبدال هذا الربط الاحادي بسلة عملات لتخفيف آثار تراجع سعر الدولار على اداء الاقتصادات الخليجية. ففي يونيو (حزيران) الماضي القى سلطان بن ناصر السويدي محافظ البنك المركزي الاماراتي شكوكا على استمرار هذا الارتباط عندما قال انه لن يكون من المنطقي ان تكون هناك عملة خليجية موحدة وابقاء ربطها بعملة أجنبية قوية، واضاف «أعتقد انه بحلول 2015 يتعين ترك مهمة تحديد سعر صرف العملة لقواعد السوق».
وتصاعد الجدل حول هذا الموضوع في مايو (ايار) الماضي عندما رفعت الكويت قيمة الدينار أمام الدولار، ورغم ان الارتفاع كان بنسبة واحد في المائة فقط فانه أشعل أسابيع من الجدل والتكهنات خاصة مع اقتراب الموعد المقرر لطرح عملة خليجية موحدة عام 2010 الذي بدأت تحوم حوله الشكوك بعد اعلان عمان انها لن تكون مستعدة للحاق بهذا الموعد. ويقول خبراء ان أسباب ربط العملات الخليجية بالدولار واضحة وبسيطة، فالولايات المتحدة من أكبر الشركاء التجاريين لمنطقة الخليج، ويجري تداول النفط وهو شريان حياة المنطقة بالدولار عالميا، كما ان الحكومات الخليجية تجمع ايراداتها وتنفقها بالدولار. كما تشمل هذه الاسباب ان الجانب الاكبر من أصول القطاع العام في منطقة الخليج وقيمتها 1.5 تريليون دولار مقومة بالدولار، اضافة الى أن طفرة سوق المشاريع يدعمها اقراض بالدولار. وترى الدول الخليجية ان ربط عملاتها بالدولار يساعد على استقرار ايراداتها من الصادرات. ويقول ستيف برايس رئيس الابحاث الاقليمية في بنك ستاندرد تشارترد «لكن هذا صحيح فقط في حالة استقرار أسعار النفط، وهو ما يخالف الواقع لان سوق النفط متقلبة بشكل كبير. وآثار كل تحرك في سعر الدولار تنتقل مباشرة الى اقتصادات المنطقة خاصة مع غياب آلية سعر الصرف المرنة والتي تعمل كمنطقة عازلة لامتصاص الصدمات والهزات». وربما تقدم جهود طرح العملة الخليجية الموحدة لدول الخليج مزيدا من الدوافع للتخلي عن ربط عملاتها بالدولار. ويقول برايس في هذا السياق «هذا الانفصال سيجعلك تسيطر على سياستك النقدية. حاليا فان البنك المركزي الاميركي هو الذي يقوم فعليا بتحديد أسعار الفائدة في المنطقة. وسيتيح لك الانفصال مواجهة الضغوط المستوردة من خلال السماح بتغيير سعر الصرف».
واستبعدت السعودية وهي اكبر اقتصاد عربي هذا الاسبوع اي تغيير لسياسة ربط عملتها بالدولار مع تراجع التكهنات في السوق برفع قيمة عملة أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم.
واكتسبت التكهنات برفع قيمة الريال زخما الاسبوع الماضي عقب اعلان الامارات أن محافظي البنوك المركزية في الخليج يناقشون ارتباط عملاتهم بالدولار المتراجع وقد يتخذون قرارا في هذا الشأن قريبا ربما في مارس (اذار) المقبل.
وارتفع الريال مثل العملات الاخرى في منطقة الخليج منذ يوم الخميس الماضي بعدما صرح السويدي بأن دول الخليج قد تتخذ قريبا ربما في مارس (اذار) حين تجتمع بالسعودية قرارا بشأن ابقاء أو تغيير نظامها لسعر الصرف. وقدر محللون خسائر العائدات النفطية لمنطقة الخليج بـ84 مليار دولار جراء تراجع الدولار امام اليورو بأكثر من 11 مليار دولار العام الماضي. وقدر مصرفيون خسائر الاموال الخليجية في السوق الاميركية جراء هبوط الدولار بحوالي 97 مليار دولار، وتزداد هذه الارقام اذا ما أخذ في الاعتبار هبوط اسعار الاسهم واصول وموجودات الشركات الاميركية، حيث تقدر اموال الخليجيين في الخارج بحوالي 1.3 تريليون دولار نصفها في الاسواق الاميركية. واعتبر مصرفي اماراتي ارتفاع اليورو امام الدولار في غير صالح اقتصادات دول الاتحاد الاوروبي التي ستتأثر صادراتها بشكل كبير وتقل قدرتها التنافسية في الاسواق الدولية. وتراجع الدولار اكثر من 10 في المائة امام اليورو حتى نهاية العام الماضي، وقال محللون ان اي هبوط في سعر الدولار يعني في واقع الامر هبوطا مماثلا في القيمة الشرائية لايرادات النفط الخليجية عند تقيمها او تحويلها لعملات عالمية اخرى. وتشكل ايرادات النفط الجزء الاكبر من الايرادات الحكومية في دول المنطقة فيما تعتمد القيمة الشرائية لهذه الايرادات على حظوظ العملة الاميركية التى على اساسها يجرى تسعير مبيعات النفط الخام. وترتيبا على ذلك فان ايرادات دول الخليج من صادرات النفط قد خسرت اكثر من 15 في المائة من قيمتها منذ بداية العام كانعكاس لخسارة الدولار، لكن هذه الخسائر لا تقف عند حدود الايرادات العامة للدول بل تتعدى ذلك الى ما يتعرض له، وشهدت اسعار السلع الاستهلاكية والاساسية عبر المنطقة ارتفاعات متوالية خلال العامين. ويرجع خبراء احتمال تآكل نسبة مهمة من عوائد المنطقة الى عوامل اساسية عدة اهمها ارتفاع معدلات التضخم الحقيقي في دول المنطقة والذي يعود إلى الزيادة التي سجلت في أسعار الواردات من أوروبا وبريطانيا واليابان والتي عكست ضعف سعر صرف الدولار والعملات.
ووفقا لمصرفي خليجي فإن برميل النفط يخسر يوميا 5 يورو من قيمته مقابل الدولار، وانه مع اتجاه اسعار الفائدة للاعلى وتراجع الدولار فقد ترتفع الخسارة الى 10 يورو للبرميل يوميا. وقال المصرفي ان خسائر المنطقة من صادراتها النفطية المقومة بالدولار الاميركي تجاوزت 12 مليار دولار قبل عامين حينما انخفض الدولار امام اليورو بأكثر من 14*.