الساعة الثامنة صباحاً بدايةُ رحلة الدكتور المغازلجي ( مُنتهز ) اليومية.. تبدأ من زميلات العمل وتنتهي بالمريضات والمراجعات...
هاهو الدكتور ( مُنتهز ) يصل إلى القسم وبدأت حركات جسده المترهل تزداد تمايلاً وغنجاً , وهو يُحرِّك كفَّيه يمنةً ويسرة يُلقي بالورود والزهور , ويُعقِّبُها بالغمزات والابتسامات لعلًّه يظفرُ بتجاوبٍ ما ...
ولو كان ركلاً على مؤخرته العفنة ... فاجأته إحدى الزهور.. وهو فاتحٌ كشرته القبيحة.. ببصقةٍ كبيرة.. وصفعةٍ بجزمتها الثقيلة , تنحني منها رقبته إلى كتفه الأيسر وتتخشب ...
ثم هام برأسه على الأرض يُقبل أقدام الزهور يطلب الاعتذار منهنَّ مُتحججاً بحسنِ نيته وأنَّه لم يُرد سوى إدخال السرور عليهنَّ ... فقبلنا عذره على مضض هرباً من رائحته المنتنة التي لا تُطاق ...
ويتجه الدكتور مُنتهز إلى عيادته... ويدخل العيادة وعند بابها يتصلَّب , وعيناه شاخصتان تتأمّلان زهرةً تجلس على كرسي الانتظار , تنبهت الزهرة لرجلٍ واقفٌ بجانبها لا يتحرك , فالتفتت إليه , فانكسرت رقبة الدكتور للشق الأيمن بحركة لا إراديَّة وانطلق إلى عيادته لاستقبال المرضى ...!
وأخذ يُحدث نفسه : آاااه يالها من زهرةٍ جميلة , وقد أتت إليَّ بأرجلها , ثم يُميل برقبته إلى كتفه الأيسر والأيمن يشتم إبطيه لأخذِ جرعةٍ كافيةٍ من شرابه المفضَّل واللذيذ الذي يجعله في عالمه الآخر ... ؟؟!
ثم أمر النيرس بإدخال الزهرة ...
استقبل الدكتور مُنتهز الزهرة بحفاوةٍ وترحيب كريمين , وطلب منها الجلوس في مقعدها المخصص ...
ثم قال : ما أجمل أن تفتتح يومك باستقبال مرضى من أمثالكِ لطيفين.. ومؤدبين.. ومهندمين.. ومحبوبين.. ومثل ما يقولون ( يفتحون النفس )..!!
زهرة بخجل وصوت منخفض: شكراً.
الدكتور مُنْتَهِز: هاه ما الشكوى التي تشتكين منها ؟
الزهرة : أنا يا دكتور أحس بألم في منتصف الصدر من يومين...
الدكتور مُنتهز: أمممممممم نعم نعم.. أسباب هذا الألم كثيرة وربما أنك تشتكين من فراغ روحي وألم وضيق نفسي و....
زهرة تقطع حديثه : بس أنا الحمد لله مرتاحة نفسياً وما عندي فراغ روحي ولا يحزنون ...
الدكتور مُنتهز يفتح مناخره ويلوي عنقه ويستنشق ما تبقّى من رائحة إبطيه... ثم يبرطم.. ويقلِّب القلم ويخربش في الملف.. ثم يتوقف ويخربش.. ثم يتوقف ويخربش.. ثم يلف كرسيه إلى الخلف ويتوارى ويلعق إبطيه بشراهة ...
زهرة : خير يا دكتور عسى ما شر ..؟؟!
الدكتور مُنتهز يعود إلى محله: لا أبداً ما فيني إلا الخير مجرد سعال بسيط و...
زهرة تقاطع الدكتور: عفواً يا دكتور أنا أسأل عن مرضي أنا..
الدكتور مُنتهز : آااه مرضك .. طيب اصعدي على السرير لإجراء الفحص السريري والكشف على الصدر...
زهرة : آسفة يا دكتور أنا لا أريد أن تكشف علي , أنا أريد طبيبة ..
الدكتور مُنتهز تنتفخ أوداجه ويستشيط غضباً : أنا طبيب محترم ومن واجبي الطبي الكشف عليك لأعالجك ... وإحنا ما عندنا طبيبات أصلاً وإذا ما عجبك هادا الكلام شرَّفينا يا ستي والباب يسع جمل...
زهرة : شكراً يا دكتور على حسن المعاملة والعلاج الطيب , وأنا لو عندي دخل جيد وفلوس كافية كان ما عتبت على مستشفاكم واخترت أحلى الطبيبات اللي أبغاهم , ولكن ما أقول إلا صبرٌ جميل والله المستعان , وبعدين أنا ما عمري شفت دكتور مثلك غريب أطوار , بس الشرهة موب عليك الشرهة على اللي وظفك وعلَّمك الطب...؟؟! ثم خرجت..
وأخذ الدكتور مُنتهز يُسدد لكمات على الهواء ويتمتم بكلماتٍ مبعثرة يندبُ فيها على حظه التعيس ...
وأثناء ذلك دخلت وردة , وهو في عالمه الآخر.. يسدد اللكمات ويتمتم بالكلمات.. ويسدد اللكمات ويتمتم بالكلمات.. فلم تفهم ما يحدث!! فسألت النيرس أين الدكتور ؟؟!
فأشارت إليه , فانتبه الدكتور ثم مال بعنقه إلى شقه الأيمن وكأنَّ لكمةً قويّةً تسددت على وجهه , ثم رحبَّ بها وامتدح قوامها - كما هي عادته - ثم أمرها بالجلوس , فتساءلت الوردة : ماذا كنت تفعل قبل قليل ؟؟!
فأجاب الدكتور مُنتهز : كنت أتسلَّى بهوايتي المفضَّلة الملاكمة الحرة ريثما تصلين ...
وردة : عفواً يا دكتور انت وظيفتك اللعب والتسلية أو علاج المرضى ...؟؟!
الدكتور مُنتهز : آاه طبعاً علاج المرضى هو وظيفتي , وأنا أردت التنفيس والتسلية فقط للخروج من الروتين اليومي وإرهاق العمل ...وانتي تعرفين إن الحياة بدون مرح ولاشي ومالها طعم ...
وردة : ترى يمدحون البلاي ستيشن بدال هالحركات الغريبة...
الدكتور مُنْتَهِز : جميل.. وما هي البلاي ستيشن أنا لا أعرفها , ممكن تعلميني إياها ؟!
وردة: أي واحد ممكن يعلمك إياها ...
الدكتور مُنتهز : أنا لا أرضى أنَّ أحد يُعلمني غيركِ لأنك أنتِ المتفضلة عليِّ بذلك من دون كل الناس...
وردة : لا أحسن ادعني إلى سهرة حمراء في ليلة رومانسية لمشاهدة الأفلام الكوميدية.. ؟!
تحسب بنات الناس لعبة في يديك ! تضحك عليهم بسهولة ! إنت ما تستحي على وجهك يا قليل الأدب , ولكن ما أقول إلا الشرهة موب عليك الشرهة على اللي وظفك وعلَّمك الطب ؟؟!
الدكتور مُنْتَهِز : أنا من زمان وأنا محترمك ومعطيك أكبر من حقك , فعلاً إذا أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمردا ... وهذه مكافئتكم لي أني عطوف وحنيِّن على الورود والزهور وأحب خدمتهم , ولو بعيوني الثنتين , ولو يكلفني ذلك حياتي كلها ...عادي.. كل ذلك ليست مشكلة لسواد عيونك الجميلتين يا وردتي الجميلة ...
وردة : أنا للتو أيقنت بأنك مجنون , ولا يعرف كيف يتعامل مع نفسه , وما هي حدوده التي لا يمكن أن يتجاوزها...
الدكتور مُنتهز: أي حدود وأي تجاوز ؟؟! لااااااااااااا الظاهر انك ما تعرفين من أكون ..؟؟!
أنـــــــــــــــــــــــــــــــــا البروف منتهز ولا يُممممممكن أحد يعلمني حدودي أو يُشكك في إخلاصي لعملي وخدمتي لمهنتي ...؟؟!
ههههههههههه ههههههههه يُقهقه بصوتٍ عالي ومُجلجل ويسخر من سخافة كلامها وسطحيته , وهو مُلقٍ بثقلهِ على كرسيه الأحمر , و مُعتدٌّ بنفسه الأمَّارة بالسوء والفحشاء ...
سسسسس آآآآآآآآآآآآآآآآه سياطٌ حاميةٌ , تصبُّ على ظهره وبطنه صبَّا , وتُذيقُهُ سوءَ العذاب لشناعة فعلته التي لم يظهر منها إلا ما يُمكن قوله , وسُكت عن الكثير , وتعظم شناعتها لانتهازيته واستغلاليته لوظيفته الشريفة التي تلطخت سمعتها بانتساب أمثال هؤلاء الحقيرين ... لا كثر الله من أمثالهم...