الحلقة الثالثة عشرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد:
إن الله تعالى أعطى الرجل القوامة على المرأة لسببين: أولهما جبلي، وهو في طبيعة تكوين الرجل وخلقه، من ذلك ما حباه الله به من عقل يتعقل به الأمور ويتروّى فيها، وتمام الدين، والجهاد، والنبوة، وشهود الجماعات، وغير ذلك.
الثاني مكتسب: وهو بإنفاق الرجل على المرأة.
يقول الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: 34].
ومن القوامة أن جعل الله الطلاق بيد الرجل، لكن الرجل قد تسوء معاملته لزوجته مما يستحيل استمرار الحياة الزوجية، وقد تبغضه زوجته لسبب أو لآخر، والحياة الزوجية قائمة على المحبة والمودة، فإذا ذهبا تصدَّعت العلاقة بين الزوجين.
فإذا كره الرجل طلَّق، لكن المرأة- وهي أسيرة- إذا كرهت ولم تطق العيش مع زوجها فماذا تفعل ؟ لو طالبته بالطلاق يأبى ويتعنت في استخدام الحق الذي أعطاه الله إياه، مع أن الله تعالى الذي خوَّله هذا الحق أمره بالإحسان: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، فهل تظل معه مع بغضها له وعدم قدرتها على الصبر على هذا الابتلاء، وقد طالبته مرارًا بالطلاق وهو يأبى، أليس من الممكن أن تنحرف هذه المرأة ويجرفها الشيطان إلى مستنقع الرذيلة ويزين لها أن السبب هو زوجها- ذلك السجَّان العنيد.
فالمنهج الإسلامي في وقاية المجتمع من الفاحشة والذي يقوم في غالبه على قاعدة سد الذرائع، وهي قاعدة جليلة في شرعنا ؛ إذ تغلق الباب الذي من شأنه أن يؤدي إلى المعاصي، ولو في القليل أو حتى في النادر.
جعل للمرأة في هذه الحالة مخرجًا، ألا وهو الخلع، وهو ما سنبينه- إن شاء الله تعالى-.
الخُلعُ
الُخلعُ لغة: مأخوذ من خَلَعَ الثوب، إذا أزاله، لأن المرأة لباس الرجل معنى، والرجل لباس لها، قال الله تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ
[البقرة: 187].
واصطلاحًا: فراق الرجل زوجته بعوض يأخذه منها أو من غيرها، ويسمى فدية وافتداءً.
أمَّا من الزوجة فللآية والحديث- سيأتيان- وأما من غيرها، كوليِّها أو أجنبي عنها بأن يسأل الزوج أن يخلع زوجته بعوض يبذله له، وهو مذهب الجمهور، فيجوز أن يختلعها، كما يجوز أن يفتدي الأسير، أو يعتق العبد، وذلك إذا كان مقصده الإحسان إليها وتخليصها من رق الزوج أو الإحسان إلى زوجها لسوء خلقها وإساءتها له.
قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله- في الشرح الممتع عن الحالات التي يتطوع فيها شخص باختلاع امرأة من زوجها: «وهذا إن كان منه مصلحة للزوجة فالأمر ظاهر- ويعد من الإحسان، وإن كان بغير إذن الزوجة فلا يخلو من حالات». ثم ذكر الشيخ سبع حالات، ملخص هذه الحالات أن منها ما هو من الإحسان: كأن يكون لمصلحة الزوج، مثل أن تكون المرأة سيئة الخلق أو سيئة السلوك والزوج فقير لا يطلق لأنه ليس عنده مال آخر يتزوج به فيعطيه عوضًا ليطلقها.
أو يكون لمصلحة الزوجة، كأن تكون قد أساء الزوج إليها وأتعبها ولكن ليس عندها مال تفتدي به، أو يكون لمصلحتهما جميعًا، بأن يكون هو سيئ العشرة وهي كذلك، فنخاف في هذه الحال ألا يقيما حدود الله.
أما ما كان بخلاف هذا فهو حرام، كأن يكون للإضرار بالزوجة، أو الإضرار بالزوج، أو كليهما معًا.
مشروعيته
ذكر أبو بكر بن دريد في أماليه أن أول خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظرب زوَّج ابنته بابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، فشكا إلى أبيها، فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها، قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب.
فإذا اشتد الخلاف بين الزوجين ولم يمكن التوفيق بينهما، ورغبت المرأة في الفراق أبيح لها أن تفتدي نفسها من زوجها (كالأسير) بمال تعويضًا عن الضرر الذي يلحقه بفراقها.
قال الله تعالى: وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: 229].
فإذا توافر السبب الوارد في الآية الكريمة، وهو الخوف من عدم إقامة حدود الله وعدم تأدية الواجب عليه نحو الآخر من اعتداء الزوج أو معصية الزوجة أو غير ذلك، جاز لها الخلع.
- عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خُلُق، إلاَّ أني أخاف الكفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فتردين عليه حديقته ؟» قالت: نعم، فردت عليه وأمره بفراقها. [صحيح البخاري].
وفي قولها: إني أخاف الكفر: أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر، أو تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها، أو تقصد كفران العشير بسبب شدة بغضها له، ولعل ذلك هو الأصح.
ورد في الروايات المختلفة للحديث ما يدل على شدة بغضها له، كقولها: لا أطيقه بغضًا، عند البيهقي، وفي رواية ابن ماجه: كانت حبيبة بنت سهل عند ثابت بن قيس وكان رجلاً دميمًا، فقالت: والله لولا مخافة الله إذ دخل عليَّ لبصقت في وجهه.
وفي رواية معتمر بن سليمان بسنده عن ابن عباس: أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا.
فقال: أتردين عليه حديقته ؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته. ففرق بينهما. [فتح الباري بتصرف يسير].
حكم الخلع
الخلع جائز، وإذا لم يكن هناك حاجة إليه فهو مكروه، إلاَّ في حال مخافة ألا يقيما حدود الله، كلاهما أو أحدهما، وقد ينشأ ذلك من سوء العشرة، إما لسوء خَلْقه، أو خُلُقه.
وقال بعض العلماء: بل يحرَّم للتحذير منه، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». [صحيح ابن ماجه وغيره].
وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المختلعات هن المنافقات». [صحيح ابن ماجه وغيره].
ولا شك أن هذا الحديث يُـحمل على المختلعة من غير ما سبب للجمع بينه وبين أحاديث الجواز.
فائدة: «قال بعض أهل العلم: إن هذا الحديث إسناده ليس بالقوي ؛ لأنه من طريق الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقال النسائي: الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، لكن الحسن صرَّح بالسماع عن أبي هريرة، لذا قال الحافظ في التقريب بعد أن ساق الحديث في ترجمة الحسن: وهذا إسناد لا يطعن في أحد من رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة».
قال ابن قدامة في «المغني»: وجملة الأمر أن المرأة إذا كرهت زوجها لخَلْقه أو خُلُقه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك، وخشيت ألا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه ؛ لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَافْتَدَتْ بِهِ [البقرة: 229].
حكمة الخلع
وحكمته أن الزوجة تتخلص من زوجها على وجه لا رجعة فيه، ففيه حل عادل للزوجين، فالخلع الذي جاءت به السنة أن تكون المرأة مبغضة للرجل فتفتدي نفسها منه كالأسير.
تحذير الرجال من عضل النساء
إذا كره الرجل المرأة ورغب عنها لسبب ما فعليه أن يفارقها بمعروف كما أمر الله تعالى، ولا يجوز له حبسها والإضرار بها لتفتدي نفسها منه.
قال تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا
[البقرة: 231].
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19].
فإذا كان الرجل لا يحب المرأة ولكن يمسكها من أجل أن تملَّ منه وتفتدي منه، فإنه يكون بذلك ظالمًا لها، ويحرم عليه أخذ العوض منها، إلاَّ إذا أتت بفاحشة مبينة كالزنا، والكلام الفاحش المستمر، أو نشوزها، أو تركت فرضًا من فروض الله تعالى، كتركها للصلاة، أو الزكاة، أو الصيام، أو ترك الحجاب، فله أن يعضلها، إذا لم يكن من إصلاحها سبيل، لكن إن استطاع إصلاحها وتقويمها (وله في ذلك الجزاء الحَسن)، وكان يريدها فله ذلك.
هل الخلع فسخ أم طلاق
والفارق أن الفسخ لا يحسب من الطلاق ولو كثر، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال ثلاثة:
1- فريق قال: الخلع طلاق بكل حال، وبأي لفظ كان، ويحسب من الطلقات الثلاث، ويرى هذا الفريق أن الزوجة بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون طلاقًا.
يروى ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، والزهري، ومالك، وأصحاب الرأي، والشافعي، في أحد أقواله، وغيرهم.
وقد روى عن عثمان، وعلي، وابن مسعود، ولكن ضعَّف أحمد الحديث عنهم، وقال: ليس في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ.
2- وفريق قال: إذا خلعها بلفظ من ألفاظ الطلاق الصريح (مثل طلقتك)، وكان ذلك على عوض فهو طلاق بائن، وكذلك إذا خلعها بلفظ من كنايات الطلاق مع نية وقوع الطلاق وعلى عوض فهو أيضًا طلاق، أو أن يخلعها بلفظ من ألفاظ الخلع الصريح (مثل خلعتك)، لكن ينوي به الطلاق فهو طلاق، واستثنوا صورة واحدة فقط وهي صريح الخلع لكن بغير نية الطلاق، فقالوا هذا فسخ.
3- وفريق قال: الخلع فسخ بأي لفظ كان، فإذا بذلت المرأة المال فداءً لنفسها فهو فسخ وليس بطلاق، وهذا اختيار أبي بكر، وقول ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وغيرهم، واختاره ابن تيمية وابن القيم، وهو المنصوص عن أحمد، وقول قدماء أصحابه، هكذا حكى عنه شيخ الإسلام أنه فسخ مطلقًا ولو وقع بلفظ الطلاق، وهذا يقول به ابن عباس- رضي الله عنهما-: كل ما جاز في المال يعني كل ما دخل فيه مال فهو خلع وليس بطلاق. وعن ابن الزبير ما يقوي قول ابن عباس رضي الله عنهم.
قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله- في «الشرح الممتع»: وهذا القول قريب من الصواب، يعني يكون فسخًا بكل حال.
- ويرجع اختلاف العلماء لاختلاف الأدلة الواردة في ذلك.
ففي صحيح البخاري من رواية أزهر بن جميل في آخر حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس: «اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة».
فقالوا: هذا نص ينبغي المصير إليه.
لكن تعقبوهم بأن هذا الحديث تعقبه البخاري بعد أن رواه بما يفيد بأن أزهر لا يتابع فيه عن ابن عباس. ما يدل على شذوذ هذه اللفظة الزائدة، وكذلك الروايات الأخرى التي فيها لفظ الطلاق مرسلة، وأن الروايات المحفوظة لم يذكر فيها الطلاق، وإنما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ففارقها، أو لم يأمره بشيء.
فائدة: مجموع طرق حديث امرأة ثابت بن قيس سبعة، وكلهم في طبقة أعلى من طبقة أزهر بن جميل، ولم يذكروا لفظة الطلاق مما يرجح شذوذها، وكذا قال الشوكاني بشذوذها، ومما يؤكد ذلك أنه صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إن الخلع فسخ وكان يفتي به.
يقول ابن القيم في «زاد المعاد»: «والذي يدل على أنه ليس بطلاق أن الله سبحانه وتعالى رتَّب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام، كلها منتفية عن الخلع:
أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه.
الثاني: أنه محسوب من الثلاث، فلا تحل بعد استيفاء العدد (ثلاث طلقات) إلاَّ بعد زوج آخر.
الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء.
وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع، وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة، وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثة بعده، وهذا ظاهر جدًا في كونه ليس بطلاق، ثم استدل بالآيات التي استدل بها ابن عباس رضي الله عنهما؛ قوله تعالى: الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
[البقرة: 229].
ثم قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
فذكر الله تعالى: «الطلاق مرتان» أولاً ثم الفداء، ثم الطلاق الثالث، فلو كان الخلع طلاقًا لكان أربع تطليقات، وهذا ما فهمه ابن عباس ترجمان القرآن.
وأخرج عبد الرزاق بسنده أن طاوسًا سأل ابن عباس فيه (الخلع)، فقال ابن عباس: ليس الفداء بتطليق.
ومن الأدلة أيضًا عن الرُّبيع بنت معوِّذ رضي الله عنها قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألته: ماذا عليَّ من العدَّة ؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة، قال: وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه. [صحيح ابن ماجه وغيره].
هل يحصل الخلع بمجرد بذل المال
وقبول الزوج له دون لفظ من الزوج
لما سُئل الإمام أحمد: كيف الخلع ؟ قال: إذا أخذ المال فهي فرقة. وقال إبراهيم النخعي: أخذ المال تطليقة بائنة، ونحو ذلك عن الحسن، وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من قبل مالاً على فراق فهي تطليقة بائنة لا رجعة له فيها، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم لجميلة (امرأة ثابت): أتردين عليه حديقته ؟ قالت: نعم، ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال: هذا ما أعطيتها ولا تزد. [صحيح سنن ابن ماجه].
ولم يستدع منه لفظًا، ولأن دلالة الحال تغني عن اللفظ.
وتعقب ابن قدامة ذلك من أنه لا يصح بدون اللفظ كالنكاح والطلاق. [المغني لابن قدامة].
عدة المختلعة
عدتها حيضة واحدة ؛ لحديث الرُّبيع بنت معوِّذ في قصة امرأة ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: خذ الذي لها عليك وخلِّ سبيلها. قال: نعم، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها.
[صحيح سنن النسائي].
قال ابن القيم: واختلف الناس في عدة المختلعة، فذهب إسحاق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلاً أنها تعتد بحيضة واحدة، وهو مذهب عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وقد حكى إجماع الصحابة، ولا يُـعلم لهم مخالف، وقد دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة دلالة صريحة، وعذر من خالفها أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده أو ظن الإجماع على خلاف موجبها.
هل للخلع ألفاظ خاصة به، أو كل فراق على عوض فهو خلع
ولو بلفظ الطلاق؟
في هذا قولان لأهل العلم، فشيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ذهب إلى كل ما دخله العوض فليس بطـلاق بل هو فداء (خلع)، والعبرة بالمعنى لا باللفـظ.
[ارجع إلى مسألة هل الخلع فسخ أم طلاق].
هل يلحق المختلعة طلاق
بمعنى: إذا خالعها ثم طلقها بعد الخلع، فهل يقع طلاق؟
أكثر أهل العلم- ولعل هذا هو الراجح- أنه لا يلحقها طلاق، وبذلك قال ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة وبعض أهل العلم يلحقها الطلاق، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة».
[والحديث غير صحيح، وبالتالي فلا حجة فيه].
وللحديث بقية - إن شاء الله - حول مسائل الخلع.
والحمد لله رب العالمين.