إنا لله و إنا إليه راجعون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
فقد جعل الله كلمات الإسترجاع ـ و هي قول المصاب : " إنا لله و إنا إليه راجعون " ملجأً و ملاذاً لذوي المصائب ، و عظمةً للممتحنين من الشيطان ، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة ، فيهيج ما سكن ، و يظهر ما كمن ، فإذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير و البركة ، فإن قوله : " إنا لله " توحيد و إقرار بالعبودية و الملك ، و قوله " و إنا إليه راجعون " إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا ، فهو إيمان بالبعث بعد الموت و هو إيمان أيضاً بأن له الحكم في الأولى و له المرجع في الأخرى ، فهو من اليقين ، إن الأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه .
و روى مسلم في صحيحه من " حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله : " إنا لله و إنا إليه راجعون " ، اللهم اؤجرني في مصيبتي و أخلف لي خيراً منها " الحديث .
و روى مسلم أيضاً عن " أم سلمة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا حضرتم المريض أو الميت ، فقولوا خيراً ، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ، قالت : فلما مات أبو سلمة أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : يا رسول الله ، إن أبا سلمة قد مات . قال : قولي اللهم اغفر لي و له و أعقبني منه عقبى حسنة" . فقلت ، فأعقبني الله من هو خير لي منه : محمداً صلى الله عليه و سلم .
و قد تقدم معنى هذا الحديث من طريق أخرى ، " عن ابن سفينة مولى أم سلمة ، عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : " إنا لله و إنا إليه راجعون " ، اللهم اؤجرني في مصيبتي ، و أخلف لي خيراً منها ، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها " ، قالت : فلما توفي أبو سلمة ، قلت : من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قالت : ثم عزم لي فقلتها ، فتزوجت رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و روى مسلم نحوه من حديث سعد بن سعيد الأنصاري ، أخي يحيى ابن سعيد ، عن عمر بن كثير عن ابن سفينة ، فذكر نحوه .
و المقصود : أن هذا تنبيه على قوله تعالى : " و بشر الصابرين " ، إما بالخلف ، كما أخلف الله تعالى لأم سلمة ، بدل زوجها أبي سلمة ، رسول الله صلى الله عليه و سلم ، حين تبعت السنة ، و قالت ما أمرت به ممتثلة طائعة ، إن البر ـ له ـ والخير فيما قاله الله ورسوله ، و إن الضلال و الشقاء في مخالفة الله و رسوله ، فلما علمت ـ رضي الله عنها ـ أن كل خير في الوجود ، إما عام و إما خاص ، فهو من جهة الله و رسوله ، و أن كل شر في العالم ، أو كل شر مختص بالعبد ، فسببه مخالفة الله و رسوله ، فلما قالت هذه الكلمات ، حصل لها مرافقة الرسول في الدنيا و الآخرة .
و قد يحصل العبد بكلمات الاسترجاع منزلة عالية و ثواباً جزيلاً ، كما في " حديث أبي موسى ، و سيأتي ذكره ، و فيه : فيقول الله تعالى لملائكته : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك و استرجع ، فيقول الله تبارك : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة و سموه بيت الحمد " . و قد تقدم الاسترجاع في المصيبة وأن قائله ، عليه الصلوات من ربه و الرحمة ، و هو من المهتدين . و قول عمر : نعم العدلان و نعمت العلاوة ، وأنه أراد بالعدلين الصلوات ، و الرحمة ، و بالعلاوة الهداية ، و الله أعلم . و قيل : المراد استحقاق الثواب ، و تسهيل المصاب ، و تخفيف الحزن ، " أولئك عليهم صلوات من ربهم " ، فالصلاة من الله الرحمة ، و من الملائكة الاستغفار ، و من الآدمي التضرع و الدعاء . و قال أبو العالية : صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة ، و صلاة الملائكة الدعاء . و ظاهر الآيه ـ و الله أعلم ـ أن الصلاة من الله غير الرحمة ، فإنه تعالى عطف الرحمة على الصلاة فعلم التغاير .
البشارة لمن تذكر المصيبة فاسترجع
و من أعظم البشارات لمن أصيب بمصيبة ، فذكرها بعد مدة طويلة ، فجدد لها استرجاعاً و صبراً ، ماله عند الله من الأجر كلما ذكرها و استرجع .
قال الإمام أحمد في مسنده عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين ابن علي ـ رضي الله عنهما ـ ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من مسلم و لا مسلمة ، يصاب بمصيبة ، فيذكرها و إن طال عهدها ـ قال عباد : قدم عهدها ـ فيحدث لذلك استرجاعاً ، إلا جدد الله له عنه ذلك ، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها " ، و رواه ابن ماجة من حديث " فاطمة بنت الحسين أيضاً و لفظه : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من أصيب بمصيبة ، فذكر مصيبته ، فليحدث استرجاعاً و إن تقادم عهدها ، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب "
قال سعيد بن جبير : ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة ـ يعني " إنا لله وإنا إليه راجعون " ـ و لو أعطي أحد لأعطي نبي الله يعقوب عليه السلام ، ألم تسمع إلى قوله في فقد يوسف : " يا أسفى على يوسف " ، أولئك ـ أصحاب هذه الصفة ـ " عليهم صلوات من ربهم ورحمة و أولئك هم المهتدون " .
والله أسأل أن يلهمنا الصبر في الشدائد