:besm:
الإجازة الصيفية ومهمة المسلم في الحياة / من خطب فضيلة الشيخ السديس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعــد:
فاتقوا الله -عباد الله- فما للنفوس لا تتزود من التقوى وهي مسافرة؟!
وما للهمم عن ركب المتقين فاترة؟!
وما للألسن عن شكر نعم الله قاصرة؟!
وما للعيون إلى زهرة الدنيا الفانية ناظرة، وعن طريق الهداية الواضحة حائرة؟!
ألا فاتقوا الله ربكم، وعظموا نواهيه وأوامره، وتدبروا آياته؛ فكم فيها من موعظة وعبرة زاجرة!
أيها المسلمون: متى ما استمسكت الأمة بعقيدتها وثوابتها؛ صلحت أحوالها، واستتبت أوضاعها، وتلاشت عن مجتمعاتها الظواهر المخالفة لدينها.
ومتى فرطت في إسلامها، وأرخت الزمام لأبنائها يخبطون خبط عشواء في دخيل الأفكار، وهزيل المناهج، ومستورد الثقافات، وانفتاح على العالم دون ضوابط شرعية وآدابٍ مرعية؛ تفشت بينها الظواهر المخالفة لشريعتها، مما يترك آثاراً سلبية على أفرادها ومجتمعاتها, ويحتاج إلى التصدي والعلاج من قبل الغيورين عليها، والمهتمين بشئونها وأوضاعها.
معاشر المسلمين: ظاهرة اجتماعية مؤرقة وكبيرة، وقضية تربوية مهمة وخطيرة؛ هي برسم الخطط والمناهج وإعداد الدراسات والبرامج لتأصيلها والعناية بها حفية وجديرة، تلكم هي ما يحصل في مثل هذه الأيام من كل عام، حينما تشتد حرارة الصيف، ويلقي بسمومه اللافحة على بعض أقطار المعمورة، مما يحمل كثيراً من الناس على الهروب إلى المصائف والمنتزهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة، وشد الأحزمة للتنقل والرحلات.
يوافق ذلك فرغ من الشواغل، وتمتع بإجازة صيفية يقضيها الأبناء بعد عناء عام دراسي كامل، وحيث قد أعد كثير من الناس برامج لشغل إجازاتهم، وقضاء وقت فراغهم، وكثير منهم قد حزم حقائب السفر أو سافر فعلاً.
يترجم ذلك الكم الهائل المتهافت على مكاتب الحجوزات والمطارات للسفر عبر الأجواء والمحيطات، في مراكب تمخر عباب الجو والبحر والفيافي لشتى القارات، وقد أعد هؤلاء وأولئك أمتعة الترحال إلى هنالك وهناك.
لذا أستلطفكم -يا راعاكم الله- لنضع هذا القضية على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع إلماحة يسيرة إلى واقع بعض الناس فيها، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية، لهذه القضايا الواقعية، وذلك عن طريق هذه المحاور الموجزة المهمة.
ثبات المسلم على مبادئه
المحور الأول: مهمة الإنسان في هذه الحياة؛ فهي سر وجوده، ووسام عزه، وتاج شرفه، وإكسير سعادته، تلكم هي عبوديته لربه عز وجل وتسخيره، كلما أفاء الله عليه بالقيام بها وعدم الغفلة عنها طرفة عين، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].
وإن أمارة المسلم الحق: بقاؤه ثابتاً على مبادئه وفياً لدينه وعقيدته، معتزاً بأصالته وشخصيته، فخوراً بمبادئه وثوابته، لا يحده عن القيام برسالته زمان دون زمان، ولا يحول بينه وبين تحقيق عبوديته لربه مكان دون آخر، فمحياه كله لله، وأعماله جميعها لمولاه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
فحيثما ما كان وحل، وأينما وجد وارتحل، فإنه يضع العبودية لله شعاره، وطاعته لربه دثاره، هذا هو منهج المسلم الصادق في إسلامه، القوي في إيمانه، الإيجابي في انتمائه.
ومن أسوأ ما أصيبت به الأمة في أعقاب الزمن: انتشار الانتماء السلبي وغلبة الفكر الهامشي الذي طغى على كثير من جوانب الحياة؛ مما أفرز أجيالاً تسيء فهم الإسلام على حقيقته، وتجعل للوثات الفكر المنحرف ومظاهر السلوك المحرم رواجاً في تكوين شخصيتها بانهزامية ظاهرة، وتبعية ممقوتة، وانسياق محموم، ولهث مذموم، خلف سراب موضات التشبه والتقليد، وبهارج العلمنة والتغريب المنتشرة في بعض صفوف المسلمين مع شديد الأسف، حتى ضاعت عندهم الهوية الدينية، وفقدت معالم الشخصية الإسلامية.
مما يتطلب إذكاء روح العزة الإيمانية في نفوس أبناء الأمة المحمدية:
( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ )