فهد محمد السلمان
يفخر الحائليون كثيرا بطبيعة أرضهم الجيولوجية، ويُردّدون في (شبّاتهم وقيلاتهم) أي في سمراتهم ونزهاتهم البرية.. أن هذه البطاح هي واحدة من أهم الميز النسبية لمنطقتهم.. قياسا بقدراتها الكبيرة على ابتلاع فيضانات السيول خلال لحظات.. مما يمنع تكوّن المستنقعات على اعتبار أن هذه الأخيرة هي أخطر ما يُهدد حياة الإنسان وصحته.
وهذه الرؤية قد تكون مقبولة إلى حدّ كبير فيما لو كان الخطر الداهم الوحيد هو فيضانات السيول.. لكن وفي ظل عدم وجود شبكة للصرف الصحي باستثناء جزء لا يكاد يُذكر من مشروع كسيح.. فإن هذا النوع من التربة سيصبح حتما بتكوينه الجيولوجي شبكة للصرف المرضي!.. حيث تعوم هذه المدينة على بركة ضخمة من مياه البيارات.. كشفت عن ملامحها طوبوغرافية أرضها التي تميل من الجنوب الغربي باتجاه الشمال الشرقي.. الأمر الذي حوّل أشهر أوديتها إلى مجرى مائي دائم الجريان لتلك المياه الملوثة.. وإلى الحدّ الذي بات يوحي لأيّ عابر بأن ثمة شبكة ضخمة للصرف الصحي تصب في هذا الوادي.. في حين أن الأمر لا يعدو كونه تسللا لمياه المجاري عبر تلك البطاح التي سهّلت انسيابها إليه.
ولا أحد يعرف من المواطنين ما الذي يجري تحت أقدامهم على وجه التحديد.. حيث تعربد مياه المجاري بكل أوبئتها ومخاطرها وهي تعبر خزانات مياه الشرب الأرضية، وشبكة مياه الشرب المهترئة في بعض أجزائها.. مما يُهدد بخطر أكبر من خطر المستنقعات أو البحيرات الاصطناعية التي تقع تحت الأعين مباشرة.. وقد تفلح معها بعض المعالجات رغم ندرتها.. وهو خطر قد لا يقف عند حدّ إفراز كارثة بحجم حمى الوادي المتصدع في جازان أو حمى الضنك في جدة.. وإنما قد يُعيد للأذهان ذكريات حمى قفار!.. في وقت لم نسمع فيه عن أيّ دراسة جادة لقياس حجم التلوث من الجهات المعنية.. رغم أن الكارثة لا تجري في باطن الأرض وحسب.. بعد أن أعلنت عن نفسها على الملأ.. وبعدما طفح بها الكيل.. وأصبحت للأسف الشديد هي المشهد الوحيد الذي يُتيحه ذلك الكورنيش شرقي المدينة.. وهو أول كورنيش في العالم وفيما أعرف يقوم على مشهد وبائي من هذا النوع المفزع!!.. والذي أصبح مرتعا لأضخم أنواع البعوض والذي يصفه أحدهم بشيء من المبالغة قائلا:
(يا أخي أنا أعرف ذلك البعوض الذي قد يلدغك مكتفيا بمص قليل من دمك ليمض بعد ئذ في حال سبيله.. أمّا أن يمص دمك ويقطع جزءاً من لحمك فهذا ما لم أتعرف عليه إلا من بعوض وادي الأديرع!!).
الشيء العجيب أنني أتذكر أنه ومنذ ما يزيد على العشرين عاما.. أن قضية الصرف الصحي كانت تأتي على رأس قائمة احتياجات هذه المنطقة.. حتى قبل الجامعة.. على اعتبار أنها من أهمّ أولويات البنية التحتية.. فكيف تراجعت رغم زيادة المخاطر؟.. وكيف توقف ذلك المشروع عند ذلك الجزء الصغير الذي لم يزد على أن ساهم في زيادة مشاكل الحفر والترقيع في أحد أحيائها؟.. وأين ذهبت تلك الدراسات؟.. هذا ما لم نعثر له على إجابة!!.
غير أن مخاطر التلوث لا تتوقف عند هذا الحد.. إذ لا يزال هنالك العديد من الآبار الارتوازية (داخل المدينة) أو ما يُسمّى ب (الأشياب: جمع شيب) والتي تبيع الماء لأصحاب الصهاريج.. وحتى إن كانت مياه هذه الآبارغير المأمونة تُستخدم مثلما يقول البعض لأغراض أخرى غير الشرب.. فإن ما لا يُمكن القطع بصحته أن هنالك من قد يستخدمها لهذا الغرض.. خاصة وأن الصهاريج التي تنقلها لا تختلف عمّا سواها من تلك التي تنقل المياه العذبة.. إلا إذا كانت الجهة التي صرّحت لها أو غضت عنها الطرف على الأقل.. تمتلك أجهزة دقيقة لقياس الذمم والنوايا.. لتتأكد أن أيّا من تلك العمالة الوافدة التي تقود تلك الصهاريج لا تبيعها على أنها مياه صالحة للشرب.. فهذا ما لا نعرفه!!.
ما أريد أن أقوله في النهاية هو أنه: إذا كانت وزارة الشئون البلدية والقروية قد خصصت مؤخرا ما يزيد على ثمانية مليارات لمعالجة أسباب حمى الضنك في جدة.. وهو اعتماد ضخم.. كان بالإمكان أن يكفي نصفه لتنفيذ شبكة صرف مثالية لا تسمح في الأساس بظهور مثل هذه المشكلة.. فإن ما نخشاه هو أن تتكرر المشكلة هنا أيضا.. في ظل عدم وجود شبكة للصرف الصحي.. مما قد تضطر معه الوزارة إلى تخصيص مثل هذه الاعتمادات الكبيرة فقط لعلاج آثار المشكلة.. في حين أن المسارعة في بناء الشبكة قد لا يُكلفها مثل هذه المبالغ الباهظة.. فضلا عن نتائجها الكارثية على حياة الناس!.
