ثقافة الغرور
--------------------------------------------------------------------------------
يحيرني هذا السؤال دائما ... لماذا الغرور؟
وبلا أي خلاف ، تجد هذه الصفة مذمومة في كل الإيدلوجيات على تناقضها .... أصولية .. إلحادية .... علمانية ... سمها ما شئت ... فستجد الغرور أطروحة مذمومة على اختلاف الفكر الإيدلوجي نفسه ... ولكن قد تتفق منهجيات هذه الأطروحات الفكرية باتخاذ الغرور رداءا لها ... فكثير هم ممن تشدقوا بفكر معين وارتادوه قد تلفعوا بوشاح الغرور وسـنـّـوا منه رماحهم ...
فلمَ هذا؟
الأمر وجدته في نقطتين رئيسيتين:
1) التنشئة الاجتماعية: وهو مبحث في أمر الفقر والطبقية ... فلقد وجدت أن اتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية أو المادية يتناسب طردا مع تأصل الغرور كثقافة ... والغريب في الأمر أن المنحى يكون عكسيا في توجهه ... فكلما نزلت بالطبقة إلى الأسفل زاد تأصل الغرور فيها ... (بغض النظر عن موافقتنا للطبقية من عدمها إلا أننا قبلناها كنموذج لتفسير هذه الثقافة) .... لهذا رأيت أن ثقافة الغرور تتفشى في العالم الثالث وما دونه وبهذا النمط السالف الذكر ... وهي سمة قد تكون كامنة تنتظر فرصة الخروج إلى السطح ... والمدهش في الموضوع أن الغرور يكون بداية على بني الجلدة ثم من هم في حسبانهم ... فتجد الهندي (على سبيل المثال) حين يهجر الهند إلى أمريكا أو كندا ويستقر به المقام هناك ... فإنه يغدو تمثالا للغرور فوق بني جلدته القادمين للتو ... أو من في حسبانهم من العرب أو الفرس أو غير ذلك ... ولكنه لا يمكن إطلاقا أن يرفع عينيه في عين الكندي الخضراء أو الأمريكي ... وقد يهنأ بالغث من القول إن خرج من شفاه أبيض البشرة ... ويلقي بالسمين من بني جلدته بعيدا ... وهذا كما أذكر معروف (بعقدة الخواجة) ... والتي تفسر لي ثقافة الغرور الناخرة في مجتمعاتنا ...
2) غياب الإدراك الحسي بالجهل الذاتي: وهذا ينحصر في المثقفين (وأعني بهذا المصطلح كل من نعت نفسه مثقفا بالمفهوم العام) .... فأفراد هذه الطبقة ينقصهم في الغالب إدراكهم بالجهل .. وما زلت أذكر جملة قرأتها وتوقفت عندها "كلما ازددت علما ... ازددت علما بجهلي" ... ولا أجد هذا الأمر معتبرا ممن وصفوا بالمثقفين ... وهنا تتساوى أمامي كل الأطروحات الإيدلوجية والفكرية ... فلو كان المثقف أصوليا أو ليبراليا أو علمانيا أو حداثيا .. أو أي شيء ... فإن انعدام مساحة الجهل المدرك أمر يُغلِّب شعور الغرور ... وأخطر عواقب ذلك الشعور هو تأطير الغير أولا ... و المصادرة على آرائهم ثانيا ... وثالثا رفضهم ... ورابعا محاولة إسقاطهم ... وهذه الحرب الفكرية ناتجة بهذا التسلسل عن خوف مستمر في العقل الباطن من الآخر وذلك للإدراك العميق بضحالة الذات وهشاشة الخلفية ... فلو انتقل هذا الإدراك العميق إلى الإدراك المحسوس لاختلف رد الفعل من الحرب والهجوم إلى السعي للاستزادة من العلم والنهل من الآخرين وتلمس الجوانب المضيئة فيهم ... وبهذا قبولهم ... أي قبول التعدديات ...
وبهذا نرى أن ثقافة الغرور بعواملها هي السبب وراء الفكر الهجومي الرافض ... وبهذا نرى وجها فكريا لتفسير فشل كل محاولات الديموقراطية على المستوى الاجتماعي بعيدا عن النظرة السياسية ...
( تـــركــــي )
الـــعـــطــــيــــب