حدود الطاعة
* تركز بعض الآيات والأحاديث الشريفة دوماً على مسألة "رضا الوالدين" .كيف تنظرون إلى ذلك من ناحية عملية؟
ـ ليس المطلوب من الابن إرضاء الوالدين أو إطاعة الوالدين ، بل الإحسان إليهما، وعملية الإحسان هي عملية رسالية تربوية تمثِّل انفعال الإنسان بما يقدمه الآخر إليه من رعاية وحماية واحتضان وخدمة وتضحية وإحسان. وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة :{هل جزاء الإحسان إلا الإحسان..}[الرحمن:60]. فالإحسان مسألة إنسانية تفرض على كل فرد انطلاقاًً من إحساسه الإنساني ، أن يستشعر إنسانية الآخر في نفسه. ولذلك ينبغي لنا دائماً أن نؤكد في عقل الطفل وفي قلبه، على القيمة التي يمثلها الأب والأم في حياته، باعتبار أنهما أساس وجوده وباعتبار أنهما القيّمان على رعايته واحتضانه بكل ما يتضمنه ذلك من يسهران لينام ،ويجوعان ليشبع، ويتعبان ليرتاح تضحية من أجله، فهما كانا ، وما إلى ذلك من مفردات الإحسان الأبوي أو الأمومي. وهذا ما عالجه القرآن بطريقة تستثير شعور الابن الإنساني في علاقته بأبويه ، حيث يقول تعالى{... إما يبلغنَّ عندكَ الكبرَ أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما..} حتى لو آذياك {..وقل لهما قولاً كريماً..}[الإسراء:23] ليكن رد فعلك حيال ضيقك منهما إذا ما أزعجاك كرد فعلهما حيال تنغيصك المستمر لحياتهما في أوائل حياتك، عندما كانا يقابلان صراخك في وجههما بالقبلات.. {واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة..}[الإسراء:24].
إن هذه الفقرة توحي بأن العلاقة بالأب والأم تقع خارج إطار العلاقات الإنسانية العادية، فهي لا تستدعي منه الثأر لكرامته في حال تعرضه للأذية النفسية، لذا على الابن أن يمارس حيال والديه الذل العملي دون أن يشعر بامتهان كرامته، تماماً كما كان الأبوان أنفسهما يذلان أمامه عندما كان في صغره يضربهما أو يدفعهما أو ما أشبه ذلك، هذا النمط من الذل هو ذل الرحمة{..وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً}[الإسراء:24].
لذا على المربّي أن ينمّي في الطفلِ حالةَ الإحسان إلى والديه كردِّ فعل لإحسانهما، وذلك باستحضار كلِّ تاريخ حياته معهما، وتاريخ رعايتهما له. هكذا يدخل إرضاء الوالدين بوصفه نوعاً من أنواع الإحسان، يكبت فيه الابن رغباته ، ويستغني عن بعض حاجاته من أجل إشباع رغبات الأبوين أو من أجل تلبية حاجاتهما، ولكن هذه الطاعة المستحبة للوالدين،وهذا الرضى المرغوب فيه ، ليس أمراً مطلوباً في جميع الأحوال، بل في حدود ، بحيث لا يكون فيه معصية لله، ولا يكون فيه تدمير لحياة الابن وشخصيته، ولا يكون فيه إساءة إلى الأبوين من ناحية أخرى، وأن لا يكون فيه ضغط عليه أكثر مما لا يتناسب مع مصلحته.
إن البر بالوالدين ليس عملية إلغاء لشخصية الولد أو إلغاء لمصالحه، وتحويل شخصيته إلى صدى لشخصية الوالدين ، واعتبار نفسه ظلاً لهما، لأنه لا يجوز أن يُربّى الولد على أن يكون صورة منسوخة عن والده، أو تكون البنت صورة منسوخة عن أمها. بل لا بدّ أن نعين الولد على اختيار صورته بالاستفادة من بعض ملامح الصورة الوالدية أو الأمومية بما يخدم حياته، لكن يجب أن يصنع الولد صورته بنفسه ، مستعيناً بما يرتاح إليه أو يقتنع به من صور الآخرين أو ما يقتنع به في نفسه.
* يتمرد بعض الأولاد على فكرة الإحسان للوالدين هذه ويعتبرونها قيداً لا يطيقونه، وحجتهم في ذلك أنهم خلقوا دون أن يختاروا ولادتهم ، وبالتالي هم ليسوا مسؤولين عن رد الجميل على تربيتهم ورعايتهم ،فيقولون مثلاً: "أنتم أنجبتمونا وعليكم أن تربونا" كيف يواجه الأهل هذه الأفكار؟
ـ لا بد لنا أن نُفهم الولد أن مسألة الخلق ليست مسألة اختيارية يقوم بها أيّ كان، سواء الوالدان أو الأولاد، بالتالي فإن تحمُّل الأهل مسؤولية رعاية الأولاد، لا يأتي في إطار مسؤوليتهم عن خلقهم، لأن مسألة الخلق جزء من القوانين الكونية، وبالتالي فإن الإنسان قد يستقبل من الحياة ما يخالف رغباته، لذلك يمكن أن نقول لهؤلاء الأولاد إن بإمكانكم أن تعطوا لخلقكم معنى يشارك في تقدمكم وفرحكم وتحقيق كثير من الأحلام لكم، وذلك بأن تتعاونوا مع والديكم تماماً كما تتعاون النبتة مع الفلاح الذي يريد أن يسقيها ويشذبها ويبعد عنها كلَّ العناصر الضارة. إن إطلاق هذه الكلمات من قبل الأبناء لا يعبّر عن حالة وعي حتى بمعناه الطفولي، بل هو مجرَّد ردّة فعل ساذجة سببها حالة ضيق يعيشها الولد جرَّاء فرض رغبة أو عمل ما من قبل الأهل عليه، إن علينا في هذه الحالة أن نفسر له بطريقة طفولية دوافع طلبنا منه شرب الدواء أو اللجوء إلى الفراش للنوم، والإيحاء له بما حققناه له من راحة عبر ذلك.
رضا الوالدين بين الإيجاب والسلب
* بما أن موضوع رضا الوالدين هو إحدى مفردات الآداب الإسلامية، كيف ترون انعكاس تطبيقه أو عدمه على الأسرة وعلى المجتمع الإسلامي ككل؟
ـ لا بد أن نفصل الجانبين الإيجابي والسلبي أحدهما عن الآخر في هذه المسألة، ففي الجانب الإيجابي يعطي رضا الوالدين طابعاً حميماً لعلاقة الأولاد مع الأب والأم ويدعم تماسك الأسرة، حيث تبدو الأسرة كخلية يقودها شخص ويحضنها شخص، ويتحرك في إطار هذه القيادة والحضانة الأولاد. ومن هنا ، فإن عمل أفراد الأسرة الواحد على إرضاء بعضهم البعض، يقوي الروابط العاطفية ،ويبسط العلاقات الأسرية، ويجعلها أكثر راحة وسلامة.
أما الجانب السلبي من رضا الوالدين، فإنه يتمثل في خضوع الولد التام لوالديه ، ما يمنعه من تنمية شخصيته المستقلة واختيار طريقة حياة وطريقة تفكير خاصة ، بحيث يصبح مجرد صدى للآخر، وهو مفعول سلبي جداً لمفهوم الرضا.
لذلك لا بد أن نجرد هذا المفهوم من معنى الانسحاق أمام الآخر خوفاً من غضبه، بل لا بد لنا من أن نستبدل مفهوم الرضا الذي ينفي شخصية الفرد ويجعل كل حياته مكرسة لإرضاء الغير بمفهوم الإحسان، حيث تكون العلاقة مع الآخر قائمة على الإحساس بإنسانيته، وبما قدمه هذا الآخر من عناصر ساهمت في تنشئة الطفل وفي تحويله إلى إنسان قادر على الاستقلال بحياته.
فالمجتمع الذي يُربي أفراده منذ الطفولة على أن يكون إرضاء الآخر قيمةً عليا لديهم، سوف يتحرك سياسياً واجتماعياً وسلوكياً تحت تأثير الآخر، لأن إرضاء الآخر والخوف من إزعاجه وإهماله هو عقدة تجعل الآخر كل شيء بالنسبة لي، وتحمل الآخر على اجتياح عقلي وقلبي وكل حياتي، فلا أعلن عن رغبة ضد رغبته ، ولا أختار فكراً ضد فكره ، ولا أتحرك أية حركة ضد حركته ، لأن ذلك يغضبه ولا يرضيه.
لذا فإن عقدة إرضاء الآخر تشكل حاجزاً يعرقل نموَّ الطفل ويعيق تطور شخصية الشاب الذي تتركز في داخله هذه القيمة الخضوعية وتستمر معه طوال الحياة، ولعل خضوع بعض الشعوب للأقوياء، سواء كانوا من داخل مجتمعهم أو خارجه، يعود إلى هذه التربية على الطاعة وعدم إزعاج الآخر.
ومن نافل القول الإشارة إلى أن التوجيه الإسلامي لاحظ هذه المسألة في بعض الدوائر الاجتماعية التي يحاول فيها البعض إرضاء الآخرين بتقديم التنازلات لهم {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم..}[البقرة:120]. إذا كان هاجسك أن يرضى عنك اليهود والنصارى، وهما نموذجان يمكن أن نوسع دلالاتهما إلى ما يتجاوز هاتين الدائرتين، فإن الآخرين لا يرضون عنك إلاّ إذا ألغيت فكرك وإرادتك أمام فكرهم وإرادتهم، بمعنى أن تلغي نفسك. وكأنه يقول لا تلغِ نفسك إن كنت تؤمن بما يتنافى مع ما يؤمن به الآخرون، فلن يرضى الآخرون إذا ما كانوا يلتزمون فكراً أو خطاً مختلفاً إلاّ عمّن يلتزم هذا الفكر وهذا الخط كاملاً.
* ألا ترون أن من واجبنا كآباء ومربين التأكيد على مفهوم رضا الوالدين مجدداً ،كي لا تصاب العائلة المسلمة بالشرخ الداخلي الذي أصاب الأسرة في الغرب؟
ـ علينا أولاً أن لا نخلط المفاهيم بطريقة مسيئة إلى الطفل والتربية ، فعندما نتحدث عن إرضاء الوالدين ، فإن ذلك قد يمتد ليأخذ شكل القيمة الدينية المقدسة، الأمر الذي قد يؤدي إلى نوعٍ من الضّغط النفسي الشديد على الولد عندما يفرض الوالدان على الولد فعلاً ليس في مصلحته. إن أكثر الاتجاهات شيوعاً لدى الآباء والأمهات في تربية أولادهم هو رغبة الأهل في جعل أولادهم صورةً لهم، وسعيهم إلى فرض رغباتهم وأفكارهم الخاصة على الأبناء. كما هو الحال في مجتمعنا التقليدي، حيث يفرض الأب أو الأم على الولد أو البنت زوجةً معينة أو زوجاً معيناً، إما من خلال التركيز على شخص معين أو على مواصفات معينة. أو كما هي حال الأب الذي يريد أن يكون ابنه امتداداً له في عمله أو وظيفته أو ما إلى ذلك. لذلك إذا قلنا: إن رضا الوالدين بذاته مطلوب في التربية، فإن الولد عند ذلك قد يتخيل أن الله يغضب عليه إذا لم يستجب لرغبة أمه أو أبيه ، فيشعر آنذاك أنه يعيش دماراً في حياته بأسرها.
لذا نقول إن علينا كمربين عندما نريد غرس قيمة معينة في نفس الولد، لا سيما إذا كان لهذه القيمة عنوان الفرض الديني، الذي يشعر معه الإنسان بأن الانحراف عنه يغضب الله، لا بدّ أن نحدّد هذه القيمة بدقة، والقرآن الكريم يعطي لهذه القيمة معنى حدده بالإحسان إلى الوالدين.
أما خضوع الولد للوالدين فأمر يتوقف على أسلوبهما في التأثير على نفسية الولد، ونحن لا ننصحهما بأن يعملا على التأثير في نفسية الولد بالمستوى الذي يصادر شخصيته.
منـقوووووووووووول
أبوطـلال